أبي منصور الماتريدي

209

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 238 إلى 239 ] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ( 238 ) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) وقوله : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ . و ( المحافظة ) هو المفاعلة والمفاعلة هي فعل اثنين . فهو - واللّه أعلم - أنه إذا حفظها على وقتها ولم يسهو عنها حفظته ، وهو كما ذكر في آية أخرى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] . وفي حرف ابن مسعود - رضى اللّه تعالى عنه - : إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر . فعلى ذلك إذا حفظها على أوقاتها مع أحكامها وسننها ، ولم يدخل ما ليس فيها - من الكلام ، والالتفات ، وغير ذلك مما نهى عنه - حفظته . وكذلك قوله تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [ آل عمران : 133 ] ، وقوله : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [ الحديد : 21 ] ، من المفاعلة ، فإذا بادر إليها بدرت إليه . وبالله التوفيق . وقوله عزّ وجل : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى . اختلف أهل العلم في تأويله : قال بعضهم : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ، أراد كل الصلاة لا صلاة دون صلاة . وهو - واللّه أعلم - أن الصلاة هي الوسطى ، هي من الدين . وهو على ما جاء : الإيمان كذا كذا بضعة ، أعلاها كذا كذا ، وأدناها كذا ، فعلى ذلك قوله : والصلاة هي الوسطى من الدين ، ليست بأعلاها ولا بأدناها ، ولكنها الوسطى من الدين . وقال آخرون : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ، هي صلاة العصر . وعلى ذلك روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « هي العصر » « 1 » . وذكر في حرف حفصة « 2 » - رضى اللّه تعالى عنها - :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 1 / 437 ) كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ( 206 / 628 ) ، وأحمد ( 1 / 392 ، 404 ) ، وابن ماجة ( 2 / 18 ) ، كتاب الصلاة ، باب المحافظة على صلاة العصر ( 686 ) ، والترمذي ( 1 / 222 ) كتاب الصلاة ، باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر ، ( 181 ) عن ابن مسعود وفي الباب عن سمرة بن جندب . أخرجه أحمد ( 5 / 7 ، 8 ، 12 ) ، والترمذي ( 182 ) في المصدر السابق . ( 2 ) هي : حفصة بنت عمر أمير المؤمنين وأمها زينب بنت مظعون روت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن عمر ، وروى عنها أخوها عبد اللّه وابنه حمزة وزوجته صفية بنت أبي عبيد وحارثة بن وهب والمطلب بن أبي وداعة وأم مبشر الأنصارية وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرهم . وكانت قبل أن يتزوجها الرسول صلى اللّه عليه وسلم عند حصن بن حذافة وكان ممن شهد بدرا ومات بالمدينة فانقضت عدتها فتزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد عائشة . وتوفيت رضى اللّه عنها سنة 41 ه وقيل سنة 45 ه ، وقيل سنة 27 ه ، حكاه أبو بشر الدولابي وهو غلط . ينظر : الإصابة ( 8 / 51 ) ت ( 294 ) ، الاستيعاب ( 2 / 734 ) ت ( 3248 ) .